الشيخ لطف الله الصافي الگلپايگاني
32
مجموعة الرسائل
وغير تكوينية ، فالتكوينية ما يتعلق بكون شئ بدون واسطة فعل فاعل مختار ، وغير التكوينية ما يتعلق بفعل فاعل مختار إذا علم من حاله تحريكه وانبعاثه بالطلب منه . وبعد كل ذلك نقول : إن الله تعالى وإن قطع بالإرادة التشريعية عذر عباده ، وأنشأ بأوامره ونواهيه ما يصلح أن يكون داعيا للجميع نحو الفعل المأمور به ، أو زاجرا لهم عن الفعل المنهي عنه ، وجعل الكل في ذلك سواء ، إلا أن المستفاد من الآية الشريفة أنه لعلمه بحال هذه الذوات المقدسة ، وأنهم عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول ، وهم بأمره يعملون ، وما يشاؤون إلا أن يشاء الله ، أراد بالإرادة ، الجدية ( لا التكوينية ) انبعاثهم نحو جميع الطاعات ، وانزجارهم عن جميع المنهيات ، فأمرهم بما أمرهم ، ونهاهم عما نهاهم ، لا لأن يكون هذا الأمر والنهي لقطع العذر ، وإتمام الحجة عليهم ، بل لانبعاثهم نحو ما أمروا به ، وانزجارهم عما نهوا عنه ، وليكون باعثا وداعيا لهم للامتثال ، وتطهيرا لهم عن جميع الأرجاس ، وقد أخبرنا بذلك في هذه الآية الكريمة إعلاما بجلالة قدرهم ، وعلو شأنهم ، وسمو مقامهم ، وكمال نفوسهم ، وعلى هذا دلت الآية الشريفة على أن فيهم ملكة قبول كل ما أمر الله تعالى به ، ونهى عنه والاهتداء بهدايته ، ومن كان حاله هذا يريد الله تعالى إذهاب الرجس عنه ، ويوفر له أسباب التوفيق ، ويخصه بعناياته الخاصة ، ويجعله تحت رعايته الكاملة يلهمه كل خير ، ويميز له كل شر ، لا يدعه في حال من الحالات ، ولا في شأن من الشؤون يختاره ، ويصطفيه من بين عباده ، وهو القادر على ما يريد ، وبكل شئ عليم ، لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون . لا يقال : ما ذكرت حاصل لغير هؤلاء الذوات الكريمة أيضا من الذين يخشون الرحمان بالغيب ، ويتبعون الذكر ، ويقبلون المواعظ بحسب مراتبهم ودرجاتهم . فإنه يقال : نعم ونحن نعرف كثيرا من الناس على بعض مراتب تلك الصفة السامية والملكة العالية القدسية ، مطيعين لله خائفين منه ، أهل الخضوع والخشوع وقيام الليل ، معروفين بالعدالة والزهد ، ولكن لا نعرف على صفة العصمة غير من شهد الله تعالى له بذلك ، لأن العصمة المطلقة لا تعرف إلا من طريق الوحي ، والارتباط بعالم القدس ،